السيد محمد حسين فضل الله

45

من وحي القرآن

القرآن يجيب عن الشبهة ولكن اللّه يثير أمامهم المسألة من موقع الصفة الحركية للرسالة ، والخط التربويّ للمسيرة الإنسانية في حركية الإسلام في تنمية الفكر والروح ، ومراقبة الحركة في الوسيلة والهدف وفي مواجهة التحديات . فلم يكن الإسلام مجرّد فكر يراد للناس أن يختزنوه في وعيهم في مواقع نظرية للمعرفة المجرّدة ، بل كان فكرا يراد له أن يتجذّر في النفس والواقع والحياة ، لأن المقصود هو تنمية الروح الإسلامية في الإنسان ، في عملية صنع الأمة على هدى الإسلام وتعاليمه . ولهذا كانت الخطة أن تطرح الفكرة في ساحة التطبيق ، ليعيش المسلمون المشكلة ، فتتفاعل في عقولهم ومشاعرهم ، وتحتوي أوضاعهم وعلاقاتهم ، لتأتي الآية بالحل المناسب الذي يستوعب الحالة كلها ، فيرى الناس الحل في حجم المشكلة ، وفي صعيدها ، وينظرون إلى الفكرة وهي تتحرك في الأرض بطريقة واقعية ، فيعيشون واقعيتها ، فتثبت في شخصيتهم في عمق التأثير ، وبذلك تمنحهم المعرفة والتطبيق ، والثبات الفكري والروحي والعملي على الخط المستقيم . وهناك فرق بين أن يأخذ الفكرة من مواقع التجريد ، وبين أن يأخذها من مواقع الواقع . فإن الانطلاق من الواقع يثبّت الشخصية من خلال الفكرة ، تماما كما هو الماء الذي ينفذ إلى الأرض ليمنحها الحيوية والنموّ في البذور الساكنة في التراب . هذا هو الأساس في تنزّل القرآن على دفعات من أجل أن يواكب القرآن المسيرة كلها ليرعاها ويشرف عليها ويجنّبها المشاكل الصعبة ، وينظّم لها خطوطها التفصيلية ، على مستوى حركة القيادة والتزام القاعدة ونهج المسيرة ، لأن ذلك يمنع الاهتزاز الروحي والفكري والعملي ، ويحفظ القاعدة من السقوط والانهيار ، لأنها تتحرك بعين اللّه ورعايته وإشرافه ، في كل حركة ،